|
![]()
محنة الإمام أحمد
: في
هذه الفقرة سأتحدث عن محنة هذا الإمام بل محنة أهل السنة بل محنة الإسلام , هذه
المحنى التي أضلّت الكثير ورفعت الكثير ووضعت الكثير , وكان مدار المحنة حول قضية
خلق القرآن فانقسم الناس في هذه المحنة إلى قسمين:
قسم ضال: وهم أصحاب البدع كالمعتزلة وغيرهم
قالوا أن القرآن مخلوق .
قسم مصيب ومحق:وهم أهل السنة: قالوا أن القرآن
كلام الله الأزلي غير مخلوق.
قبل الخوض
في هذه الفتنة والمحنة لابدّ أن أبين لنفسي ثم لإخوتي وأخواتي المسـألة التالية :
قد يقول قائل ما الضير لو اعتقد المسلم أنّ القرآن
مخلوق ما دام موقن أنَّ الله هو خالقه ولماذا أهل السنة يعنفون وبشدة من يعتقد
بذلك ؟
الإجابة :
"الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقد سبق بالتفصيل بيان
أن القول بخلق القرآن كفر بإجماع السلف الصالح...، و مع أنّ هذا القول كفر، فإن قائله لا يكفر حتى تقام عليه الحجة.. :
و أما عن الضرر الناشئ عن القول بهذه البدعة
الشنيعة وما يترتب عليها من بدع فنذكر بعضا منه:
·
الأول: مخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف
الأمة القائلين بأن القرآن كلام الله عز وجل منزل غير مخلوق, وفي هذا فساد في
العقيدة وإتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى
متوعدا من فعل ذلك: و}َمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ
مِنْ بَعْدِ
مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ
مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً{
النساء:115.
·
الثاني من هذه الأضرار: أن القرآن هو
كلام الله عز وجل، ومن جعله مخلوقاً فقد جعل شيئاً من صفات الله مخلوقاً وهذا كفر بين.
·
الثالث من هذه الأضرار: أن القول بخلق القرآن
يلزم منه تعطيل صفة الكلام، والقول بأنه غير متكلم، وهذا إلحاد في صفات
الله واتهام له بالنقص جل وعز، فالكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص.
·
الرابع من هذه الأضرار: أن القول بأن القرآن
مخلوق يلزم منه نفي تكلم الله عز وجل بالوحي, ونفي الشرائع والكتب المنزلة
التي ثبت أن الله عز وجل كلَّم بها جبريل عليه السلام ثم بلغها جبريل لأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.
·
الخامس من هذه الأضرار: أن القول بأن القرآن
مخلوق وأن الله لم يتكلم به حقيقة يلزم منه تكذيب
·
لكثير من الآيات التي في القرآن والتي
تثبت كلام الله لأنبيائه ورسله، كقوله سبحانه: }وَرُسُلاً
قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً{النساء:164, وكقوله سبحانه}:إِذْ
قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا {آل عمران: من الآية 55,وكقوله سبحانه}: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ
إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا
نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا
كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ
كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً{الفتح:15.
·
السادس من هذه الأضرار: أن القول بأن القرآن
مخلوق يجعل الله عز وجل محتاجاً إلى خلقه في البيان عنه وفي أمر العباد بالشرائع وفي نهيهم، واعتقاد أن الخالق في حاجة إلى المخلوق نسبة
النقص إلى الله والضعف والعجز وهذا ـ لا شك ـ من الكفر البين.
وبالجملة فهذه البدعة الشنيعة يترتب عليها من
الأضرار والبدع الأخرى الشيء الكثير الذي يصعب حصره في هذه الفتوى، …....، مع نصيحتنا بالابتعاد
عن كل من يثير هذه العقائد الضالة ولزوم أهل السنة والجماعة وملازمة العلماء الثقات الذين ينتهجون نهج السلف الصالح ـ
وهم كثيرون والحمد لله, ونسأل الله أن يقي المسلمين شر هذه العقائد الضالة.والله أعلم."
انتهى
أ- بداية
الفتنة والمحنة :
"روى محمد بن نوح أن
الرشيد قال بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول القرآن
مخلوق فلله علي أن أظفرني
به لأقتلنه, قال
الدورقي وكان متوارياً أيام
الرشيد فلما مات الرشيد ظهر ودعا إلى الضلالة قلت ثم أن
المأمون نظر في الكلام وناظر وبقي متوقفاً
في الدعاء
إلى بدعته.
قال
أبو الفرج بن الجوزي خالطة قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القرآن
وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ثم قوي عزمه وامتحن الناس ."
"....عن ابن عرعرة حدثني ابن أكثم
قال قال لنا المأمون لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أن
القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه يا أمير
المؤمنين ومن يزيد حتى يتقي فقال :ويحك
إني أخاف إن
أظهرته فيرد علي يختلف الناس وتكون فتنة وأنا
أكره الفتنة فقال الرجل فأنا
أخبر ذلك منه قال له نعم فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد وقال
يا أبا خالد ان أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك إني
أريد أن أظهر
خلق القرآن, فقال:
كذبت على أمير المؤمنين, أمير المؤمنين لا يحمل
الناس على ما لا يعرفونه فإن كنت صادقاً
فاقعد فإذا اجتمع الناس في المجلس فقل قال فلما إن
كان الغد اجتمعوا فقام فقال كمقالته فقال يزيد كذبت على أمير المؤمنين أنه
لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه
وما لم يقل به أحد قال فقدم وقال يا أمير المؤمنين كنتَ
أعلم وقص عليه قال : ويحك
يلعب بك."
انتهى.
ب- من ثبت
مع الإمام أحمد بعدم القول بخلق القرآن :
"قال صالح بن أحمد سمعت أبي يقول لما دخلنا على
إسحاق بن ابراهيم للمحنة قرأ علينا كتاب الذي صار
إلى طرسوس
يعني المأمون فكان فيما قرأ
علينا } ليس كمثله شيء { و }هو خالق كل شيء{ فقلت }وهو السميع البصير { قال صالح ثم امتحن القوم
ووجه بمن امتنع إلى الحبس فاجاب القوم جميعا غير أربعة
أبي ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد سجادة ثم أجاب
هذان وبقي أبي ومحمد في
الحبس أياماً ثم جاء كتاب من طرسوس
بحملهما مقيدين زميلين."
انتهى.
وري
أيضاً أن " أبـا العبـاس بن سعيد ..قال: لـم يَصْبِرْ فـي
الـمِـحْنَةِ إلاّ أربعةٌ كلُّهم من أهل مَرْو: أحمد بن حنبل أبو عبد الله: وأحمد
بن نصر بن مالك الـخُزَاعِيُّ، ومـحمّد بن نوح بن ميـمون الـمَضْرُوب، ونُعَيْـم
بن حَمَّاد وقد مات فـي السجن مُقَـيَّداً، فأمّا أحمد بن نصر فَضُرِبَت عُنُقُهُ.
ومات
محمد بن نوح فـي فتنة المأمون، والـمعتصم ضَرَبَ أحمدَ بن حنبلٍ، والواثقُ قَتَلَ
أحمد بن نَصْرٍ، وكذلك نُعَيْـم بن حَمَّاد."
انتهى
ولا
تعارض بين الخبرين الأول والثاني لإمكانية
الجمع بينهما : فلعلّ صالح بن أحمد بن حنبل قد روى الخير بعد موت الإمامين نعيم بن
حماد وأحمد بن نصر , فبعد موتهما رضي الله عنهما ثبت مع الإمام أحمد القواريري
والحسن بن حماد ثمّ أجابا والله أعلم.
ج- نظرة الناس إلى الإمام أحمد بن
حنبل أيام الفتنة وتشجيعهم له بداية الفتنة والمحنة وبداية الامتحان والبلاء:
-"
أخبرنا ...
ابن أبي أسامة يقول حكي لنا أن أحمد قيل له أيام
المحنة يا أبا عبد الله أولا ترى الحق كيف ظهر
عليه الباطل قال كلا إنّ
ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من
الهدى
إلى الضلالة وقلوبنا بعد لازمة للحق" .
-
وروى الإمام الذهبي رحمه الله أنّ "... عن عباس الدوري سمعت أبا جعفر الأنباري
يقول لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا
هو جالس في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت فقلت يا هذا أنت
اليوم رأس , والناس يقتدون بك فوالله
لئن أحببت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق وإن
أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ومع هذا فإن
الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت لابد من الموت
فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول ما شاء الله ثم قال يا أبا جعفر أعد
علي فأعدت عليه وهو يقول ما شاء الله".انتهى.
إنّ
قول أبي جعفر الأنباري يدل على مدى تعلق الناس بالإمام أحمد بن حنبل ويدل على كون
الإمام أحمد كان إماماً يتبع وعلم يقتدى به قبل الفتنة , وما زادته الفتنة إلا
نوراً على نور وهدى على هدى , ويستفاد أيضاً من هذه القصة على وجوب مؤازرة العلماء
لبعضهم البعض أثناء المحن , وعلى وجوب تقوية عزمهم لبعضهم البعض .
- "قال محمد بن ابراهيم البوشنجي جعلوا
يذاكرون أبا عبد الله بالرقة في التقية وما روي فيها فقال كيف تصنعون بحديث خباب "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه" فأيَسنا
منه, وقال لست أبالي
بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد ولا قتلاً
بالسيف إنما أخاف فتنة السوط,
فسمعه بعض أهل الحبس فقال : لا عليك يا أبا عبد
الله فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين
يقع الباقي فكأنه سري عنه ".
ويستفاد
من هذا : أنّه على أئمة المسلمين أن يصدعوا بالحق لا يخافون فيه لومة لائم ,
ويقتدون بذلك بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين لم يعرف عنهم أنّهم هادنوا
في دين الله أو قالوا تقية , فأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين كانوا بريئين من التقية والكذب , بل كان الرجل منهم يذبح من
الوريد إلى الوريد لا يخشى في الله لومة لائم ولنا المثل في سمية أم عمار بن ياسر
وياسر ووالده رضي الله عنهم جميعاً ولنا المثل أيضاً في الإمام أحمد بن حنبل رحمه
الله.
د- بعض الأحداث والمناظرات التي جرت
عند تقييد الإمام أحمد بن حنبل وأخذه إلى بغداد ووضعه في السجن :
- "قال صالح بن أحمد حمل أبي ومحمد بن نوح
من بغداد مقيدين فصرنا معهما إلى الأنبار فسأل
أبو بكر الأحول أبي يا أبا عبد الله إن
عرضت على السيف تجيب قال :لا ثم سيرا فسمعت أبي
يقول: صرنا إلى الرحبة ورحلنا منها في جوف الليل,
فعرض لنا رجل فقال أيكم أحمد بن حنبل , فقيل
له هذا فقال : للجمال على رسلك, ثم قال يا هذا ما
عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة ثم قال أستودعك
الله ومضى فسألت عنه فقيل لي هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في
البادية يقال له جابر بن عامر يذكر بخير.".
انتهى
"... قال أحمد بن حنبل ما
سمعت كلمة منذ
وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي
كلمني بها في رحبة طوق قال يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً
وإن عشت حميدا فقوى قلبي."
قلت
في نصيحة الأعرابي للإمام أحمد بن حنبل الكثير من الفوائد العظيمة منها :
- إنَّ دين محمد r دين الفطرة ودين العقل ودين بسيط يفهمه الكبير والصغير والرجل
والمرأة وهذا الأعرابي قد فهم أنّ دين الإسلام هو دين الثبات والإخلاص فراح يعبر
عن ذلك بفهمه البسيط وراح يذّكر الإمام أحمد رضي الله عنه بهذه الحقيقة.
- المسلم البسيط صاحب الفطرة السليمة أفضل
بكثير من أهل البدع المتكلمين , فها هو ذا الأعرابي البسيط يشد أزر الإمام أحمد
ويدعوه إلى الثبات بعكس أصحاب البدع والضلال الجاهلين بحقيقة دعوة الإسلام - وإن إدعوا
العلم – يدعون الإمام أحمد إلى ممارسة التقية ومهادنة أهل الضلال والبجع في أهم
أصل من أصول التوحيد , وأصل من أصول العقيدة فضلّوا وأضلّوا , لذلك يجب أن لا يغتر
الداعي بنصائح وعظات أهل البدع ولا يغتر بكلامهم فهم يخلطون السم مع العسل ويوظفون
الدين من أجل خدمة آرائهم الفاسدة , فيجب على الداعي والمسلم أن يبتدع عن مثل
هؤلاء ويبحث عن مسلمين صادقين ومخلصين كذلك الأعرابي الصادق رحمه الله.
"قال صالح لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرطوس ردا في أقيادهما
فلما صار إلى الرقة حُملا في سفينة فلما وصلا إلى عانة توفي
محمد وفك قيده وصلى عليه أبي, وقال حنبل قال أبو عبد
الله ما رأيت أحدا على حداثة سنه
وقدر علمه أقوم ب
|